أبي حيان التوحيدي
118
المقابسات
بل ما أخرت « 1 » حاجتك إلى هذه الغاية ، مع تقاضيك بالتعريض والتصريح ، وإلحاحك بالغداة والعشى ، وتلطفك بالشفيع بعد الشفيع ، إلا لظني بأنها تزيف على نقدك ، وتتبهرج بتقليبك ، ويبدو عوارها لعينك ، ويتجه عليها وعلى من يمنك من أجلها ما شئت من طعنك ولأئمتك ؛ وفي السكوت ، أبقاك اللّه ، أمان من هذا كله . وليس القلم كاللسان ، ولا الخط كالبيان ، ولا ما يذهب مع الأنفاس ، كما يبقى وسمه بين الناس . فهذا وأشباهه يقص جناح العزم ، ويغض طرف النشاط ، ويغطى وجه الهمة ، ويكذب رائد الطمع ، ويلجلج لسان الرأي ؛ إلى أن قال لي بعض من أثق بخلّته ، وأستنير بمشورته ، وأستقبل مقاصدى برأيه : ينبغي أن تتأتّى لعمل ما أهلّك فلان له ، وشرفك به ، وتخف إلى مراده ، وتعلم أن ائتمارك لأمره رشد وأثرة ، وجمال وزينة ؛ وليس في فرش فضائل هؤلاء المشايخ ونقل كلامهم عليك مؤنة ولا مشقة فادحة ، ولا كلفة شديدة ، إن لم تبلغ فيها ذروة الخاصة ، لم تقع منها إلا حضيض العامة ؛ بل إن لم يزد ما تحكيه عنهم رونق لفظ ، وبهاء وصف ، وتقريب بعيد ، وإيضاح مشكل ، لم يبخسه حظه من الحقيقة التي إليها انتهت المطالبة ، وعليها وقفت الإرادة ؛ فخفض عليك ، وخفف عنك ، فما بالأمر كل هذه الصعوبة ، ولا بك كل هذا التبرم وقال أيضا : قد علم الصغير والكبير أن كل إنسان يتنفس برئته ، وينشق بأنفه ، ويبتاع بساعده ، ويسبق إلى غايته ، ويعمل على شاكلته ، ويجزى على قدر علمه ونيته واجتهاده . فوهب هذا قوة ، ولكن مدخولة ، وأفاء على نشاطا ولكن ضعيفا ، فأقبلت على ما عرفتك من حالي ، وضيق صدري ، وفقد أنسى ، وانسداد مذهبي ؛ أتألف ما شرد منها ، وأنظر إلى ما انتثر عنها ، وارقع بجهدي وطاقتى شملها ، واحلّى بوسعى واستطاعتي عطلها ، ومن بذل لك مجهوده ، فقد حرم عليك ذمه ، ومن سعى إلى مرادك شوطه ، فقد استحق منك ثوابه . هذا في أوائل التعارف ، وفواتح التناصف . وأرجو أن لا أحيس بين إرادتي الخير لك ، واشتمالك بالكرم على ، إن شاء اللّه عز وجل
--> ( 1 ) في الأصل : ما أخرجت .